طول العمر الجديد: وحدة من سيعيشون مئة عام

نجح الطب في إضافة عقود إلى حياة الإنسان. لم يعد التحدي بيولوجيًا، بل هو الصراع للحفاظ على الشعور بالانتماء في عالم يسير بوتيرة أسرع من الذاكرة.

 

بقلم إيهاب سلطان

HoyLunes — يدق عقرب الثواني في ساعة الحائط في غرفة معيشة إغناسيا بوضوح يكاد يكون مزعجًا. إنه صوت الوقت المتراكم.

“كيف حالكِ اليوم يا إغناسيا؟”

رفعت رأسها ببطء عن الكرسي بجوار النافذة – ذلك المرصد الشخصي الذي تراقب منه عالمًا متسارعًا. تسلل ضوء الظهيرة بنعومة، يكاد يكون خجولًا، ليضيء النباتات التي ما زالت تعتني بها كل صباح بـ انضباط مقدس، كما لو أن حقها في البقاء يكمن في خضرة تلك الأوراق. كانت تبلغ من العمر 93 عامًا. كانت يداها خريطة بارزة لـ العروق والحكمة. كان صوتها يوحي بأنها لم تعد في عجلة من أمرها، وعيناها، وقد أثقلهما الزمن، بدتا وكأنهما شهدتا الكثير من الوداعات.

“بخير يا بني،” أجابت. “ما زلت هنا”.

إغناسيا جارتي. لأشهر، اقتصرت لقاءاتنا على أحاديث عن الطقس أو سعر الخبز – ذلك الخط الخفي الذي تدور حوله احاديثنا لتجنب الخوض في أعماق الأمور. حتى جاء يوم، قبل الوداع، سألتها سؤالاً غيّر مجرى حياتي، وحطّم حاجز المجاملة:

“هل هناك ما يمكنني فعله من أجلك؟”

تريثت إغناسيا لحظة قبل أن تجيب. خيّم الصمت، وكأن العرض قادم من تردد بعيد – إشارة لاسلكية تعبر محيطاً من اللامبالاة –.

“نعم”، قالت أخيراً، ونظرتها مثبتة في عيني. “سلّم عليّ متى استطعت. أخبرني عن مشكلة، عن أمرٍ ما يحدث لك. أحتاج أن أعرف أنني ما زلتُ قادرًا على أن أكون مفيدًا لأحد. لأنني أحيانًا، حتى مع توفر الطعام والدواء، أشعر وكأن العالم توقف عن الاعتماد عليّ“.

لم يكن في نبرتها أيّ دراما، بل صدقٌ مُطلق. كان وصفًا هادئًا، يكاد يكون تقنيًا، لغرفةٍ خيّم عليها الصمت. في تلك الليلة، أدركتُ أن طول العمر، انتصار جنسنا البشري العظيم، يطرح سؤالًا يتردد صداه على هامش العلم: ما قيمة تراكم الوقت إذا شعر المرء بأنه مُستبعد من اهتمام الآخرين؟

إن عيش قرنٍ من الزمان لا يقتصر على تراكم الوقت فحسب؛ بل هو ´فن المقاومة´ في عالمٍ لم يعد يتحدث لغتك.

التناقض بين العلم والمجتمع

خلال القرن العشرين، كان اكتساب سنواتٍ إضافية من العمر هدفًا لا جدال فيه – جائزةً تُمنح في المختبرات. تقدّم الطب، وتعلّمت الأجساد مقاومة تقلبات العصر. مع ذلك، فبينما يتمدد الجسد، يتقلص النسيج الاجتماعي. لا يقتصر الأمر على إطالة العمر فحسب، بل على ضمان ألا يُعاش في عزلة تامة، حيث ينظر المسافر من النافذة دون أن يلتفت إليه أحد.

بعد أيام، التقيتُ إغناسيا مجدداً. كانت تراقب الشارع من شرفتها، كمن يشاهد فيلماً بلغة لم يعد يفهمها تماماً.

سألتني دون أن تُحوّل نظرها عن الإسفلت: “هل تعلم ما أصعب ما في طول العمر؟ أن الأشياء تبدأ بالاختفاء قبل أن تختفي أنتِ”.

لم تكن تتحدث عن الموت – هذا سوء فهم كبير. كانت تتحدث عن تلاشي السياقات. أصدقاء المقهى الذين رحلوا، والمساكن التي استمرت طوال العمر ولكنها استُبدلت بزجاج بارد، والرموز المشتركة التي لم يعد أحد يتذكرها. عندما يعيش الإنسان قرابة قرن، فإنه يمرّ بمراحل نفسية متعددة. يُعاني هؤلاء مما يُسميه البعض “الإرهاق الشخصي”: الإرهاق الناتج عن إعادة بناء الهوية في عالمٍ يتغير جذريًا كل عقد، تاركًا المرء بزيٍّ لم يعد يُناسبه.

عندما يتغير المحيط كل عقد، يُصبح المنزل “الملاذ الوحيد للهوية”.

 تحدٍّ يتجاوز حدود المختبر

“الوحدة غير المرغوب فيها” في الشيخوخة حقيقةٌ مُعقدة تُحسّ على الجلد وتُقاس في المستشفيات. تُؤثر هذه الوحدة بشكل مباشر على الصحة البدنية – من الجهاز القلبي الوعائي إلى “التدهور المعرفي” – لكن جذورها ليست فيروسًا؛ بل هي اجتماعيةٌ عميقة. إنها المفارقة الكبرى: لقد تعلمنا “إطالة العمر” أسرع مما تعلمنا “مرافقته”.

لحسن الحظ، حفّز تشخيص هذه “البرودة الاجتماعية” الجهود الرامية إلى سد الفجوة بين سنوات العمر المكتسبة وسنوات العمر المعاشة:

الجهود المؤسسية: توقفت منظمة الصحة العالمية والعديد من الحكومات عن اعتبار الشعور بالوحدة مجرد شكوى عاطفية، وبدأت في التعامل معه كأولوية في مجال الصحة العامة، حيث أنشأت “أجهزة رصد” للكشف عن العزلة قبل أن تتحول إلى صمت مطبق.

البرامج الاجتماعية والمجتمعية: شبكات تواصل وبرامج بين الأجيال، حيث تجتمع طاقة الشباب وذاكرة كبار السن تحت سقف واحد، لإعادة دمجهم في نسيج الحياة اليومي.

مدن صديقة: تخطيط حضري يُعيد إحياء مقاعد الأرصفة والساحات، إدراكًا أن المدينة ذات الإيقاعات الصاخبة التي تفتقر إلى مساحات للراحة هي في الواقع مدينة تُهمّش مواطنيها من كبار السن.

رسالة، سؤال، أو مشكلة مشتركة: أقصر جسر لإنقاذ شخص من النسيان.

كرامة الحاجة

لا يتدهور حال العديد من كبار السن بسبب تآكل خلاياهم فحسب، بل بسبب تلاشي هدفهم في الحياة. شرحت لي إغناسيا ذلك بقوة من نجا من كل شيء: “عندما تكون شابًا، يحتاجك الجميع لشيء ما. ثم، في يوم من الأيام، يتوقف الهاتف عن الرنين بنفس الطريقة”.

… يكمن خطأ عصرنا الحديث في اعتقادنا أن طول العمر مسألة صيانة تقنية. يحتاج الإنسان، أكثر من الفيتامينات، إلى أن يكون له مكانة حقيقية في نظر الآخرين. التواصل الإنساني هو أنقى أشكال الوقاية. إن بلوغ المئة عام له معنى عندما تحافظ تلك السنوات على الروابط، وقبل كل شيء، على كرامة الاستماع.

قد يوفر الطب الوسائل اللازمة لمواصلة المسيرة، لكن المجتمع – بقوانينه، وهندسته المعمارية، وأسرته – هو من يقرر ما إذا كانت الحياة التي يمر بها تستحق المشاهدة. الصحة البدنية والدعم النفسي هما ركيزتا السكة نفسها؛ فإذا تعطل أحدهما، فقدت الرحلة معناها.

في إحدى الظهيرات، بينما كانت الشمس تغيب خلف المباني، سألتُ إغناسيا إن كانت تخشى المستقبل.

أجابت بابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى: “لا، ما يُخيف هو الشعور بأنك لم تعد مرغوبًا بك”.

لخصت هذه الجملة التحدي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين. لن تكمن ثورة إطالة العمر الحقيقية في بلوغ المئة عام بقلبٍ قوي، بل في ضمان ألا يشعر أحدٌ عند بلوغه هذا العمر بأنه غريبٌ في زمانه.

شكرًا لكِ يا إغناسيا، لتذكيري بأنّ الشعور بالتقدير والإنصات هو أعمق احتياجاتنا التي تُبقينا على قيد الحياة.

عندما ودّعتها أخيرًا وبدأت أبواب المصعد تُغلق، ألقيتُ نظرةً أخيرةً من خلال الفتحة. بقيت إغناسيا هناك، تُبقي بابها الأمامي مفتوحًا لبضع ثوانٍ أخرى، يدها مُستقرة على الإطار ونظرتها مُثبّتة على الردهة الفارغة، كما لو كانت لا تزال تنتظر عودة أحدهم ليسألها عن حالها.

 

#نظرات_حنونة #قيمة_الوقت #وحدة_مُنهكة #إيهاب_سلطان #اHoyLunes

Related posts

Leave a Comment

Esta web utiliza cookies propias y de terceros para su correcto funcionamiento y para fines analíticos. Contiene enlaces a sitios web de terceros con políticas de privacidad ajenas que podrás aceptar o no cuando accedas a ellos. Al hacer clic en el botón Aceptar, acepta el uso de estas tecnologías y el procesamiento de tus datos para estos propósitos. Más información
Privacidad